أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
106
العقد الفريد
قال الضحاك بن قيس : إكداء العاقل وإجداء الجاهل . وقال سعيد بن العاص : أعجب الأشياء ما لم ير مثله . وقال عمرو بن العاص : أعجب الأشياء غلبة من لا حقّ له ذا الحقّ على حقه . وقال معاوية : أعجب من هذا أن تعطي من لا حق له ما ليس له بحق من غير غلبة . معاوية وقوم من قريش : حضر قوم من قريش مجلس معاوية ، فيهم عمرو بن العاص ، وعبد اللّه بن صفوان بن أمية ، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام ؛ فقال عمرو : أحمد اللّه يا معشر قريش إذ جعل أمركم إلى من يغضي على القذى ، ويتصام عن العوراء ، ويجرّ ذيله على الخدائع . قال عبد اللّه : لو لم يكن كذلك لمسّنا إليه الضر أو دببنا إليه الخمر ، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا يطعمك مال مصر . قال معاوية : يا معشر قريش ، حتى متى لا تنصفون من أنفسكم ؟ قال عبد الرحمن بن الحارث : إن عمرا أفسدك علينا وأفسدنا عليك . لو أغضبت عن هذه . قال : إن عمرا لي ناصح . قال عبد الرحمن : فأطعمنا مثل ما أطعمته ، وخذنا بمثل نصيحته ؛ إنا رأيناك يا معاوية تضرب عوامّ قريش بأيديك في خواصها ، كأنك ترى أن بكرامها جاروك دون لئامها ، وإنا واللّه لنفرغ من إناء فعم في إناء ضخم ، وكأنك بالحرب قد حل عقالها عليك من لا ينظر لك . قال معاوية : يا بن أخي ، ما أحوج أهلك إليك ! فلا تفجعهم بنفسك ! ثم أنشد : أعزّ رجالا من قريش تتابعوا * على سفه ، مني الحيا والتكرم « 1 » معاوية وابن الزبير : وقال معاوية لابن الزبير : تنازعني هذا الأمر كأنك أحق به مني ! قال : لم لا أكون أحق به منك يا معاوية ، وقد اتبع أبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على الإيمان واتبع الناس أباك على الكفر ؟ قال له معاوية : غلطت يا ابن الزبير بعث اللّه ابن عمي نبيا فدعا أباك فأجابه ؛ فما أنت إلا تابع لي ، ضالا كنت أو مهديّا .
--> ( 1 ) تتابعوا : أسرعوا إلى الشر .